اسير الحب
08-11-2008, 09:53 AM
في جدلية الصحة و الثروة
الإرهاق الشديد نتيجة العمل يقتل الشباب
في العاشر من ابريل/نيسان رحل الفنان الصيني تشن يي في عن عمر يناهز التاسعة والخمسين.
وقد اعاد الموت المفاجئ للشخصيات الاجتماعية في الصين من جديد قلق الصينيين تجاه ظاهرة الموت من فرط الارهاق.
وتقول مجلة “الصين اليوم” في تحقيق عن الارهاق الذي يتعرض له الشباب الصيني في اطار السعي لتأمين مستقبل مالي أفضل انه قبل رحيل هذا الفنان الرسام، الذي يمارس التجارة بنجاح كبير أيضا، فارق الحياة أستاذان نابغان بجامعة تشينغهوا، هما جياو ليان وي (36 سنة) وقاو ون هوان (46 سنة).
في أكتوبر/تشرين اول الماضي توفي وانغ جيون ياو (38 سنة)، رئيس مجلس ادارة مجموعة جيونياو.
وسبب موت هؤلاء، وفق رأي الأطباء، هو الارهاق الشديد نتيجة العمل، وهو ما أضر بأعضاء الجسم الى حد خطير، وعندما نُقلوا الى المستشفيات كان الأوان قد فات.
وقد كثر في الآونة الأخيرة الحديث حول صحة الانسان والارهاق المزمن، حيث تشير نتائج عدد من الدراسات الميدانية الى أن معظم الشباب ومتوسطي العمر لا يولون الاهتمام اللازم بصحتهم رغم وصولهم الى حالة لا تبعث على التفاؤل.
الشباب يواجهون ضغطا أكبر
تشانغ ليانغ البالغ من العمر ثلاثين عاما، شاب نشيط يعمل مديرا في أحد فروع شركة لشبكات الانترنت. وقد اختار أن يواصل العمل بشركته خلال الأيام السبعة لعطلة عيد العمال لأن الشركة وعدت بمنح راتب يعادل ثلاثة أضعاف الراتب العادي لمن يعمل في العطلة. وقد قرر تشانغ أن يتنازل عن فرصة السفر في رحلة مع خطيبته ولم يتردد في قبول عرض الشركة لأنه يحتاج الى مزيد من المال لسد نفقاته الكثيرة، فقد اشترى مؤخرا شقة كبيرة بالتقسيط استعدادا للزواج، وكان يعتزم شراء سيارة خاصة وان راتبه الشهري (وهو سبعة آلاف يوان، أي نحو ثمانمائة وخمسين دولارا أمريكيا) لا يكفيه، ومن أجل توفير حياة أفضل كان عليه أن يكسب المزيد، وهذا ما كان يجعله يشعر دائما بضغط، ويضطره للقيام بأعمال اضافية سواء في الشركة أو خارجها ان أمكن.
وتشانغ ليانغ نموذج للشباب من جيله الذي يقف على أعتاب مرحلة الزواج ويجتاز فترة صعبة لتأسيس قاعدة اقتصادية قوية تكفي لسد مختلف النفقات، من حفل الزفاف وحجز شقة جديدة وتأثيثها الى شراء السيارة وانجاب الطفل وتربيته بعد ذلك، وكل هذا في حاجة الى فلوس.
هؤلاء الشباب قاعدتهم المادية ليست قوية، ورأس مالهم هو قوتهم البدنية ولهذا يجبرون أنفسهم على العمل أكثر من أجل دخل أعلى.
وتفيد نتيجة دراسة ميدانية قام بها مركز المسح الاجتماعي بصحيفة شباب الصين ونشرتها الصحيفة، أن 66،5% من شباب هذا البلد يشعرون بضغوط كبيرة في حياتهم، و3،7% منهم يشعرون بضغوط خفيفة، وفقط 0،3% منهم لا يشعرون بأي ضغط!
ويعبر عن هذه المأساة تشانغ ليانغ بقوله “لاحظت أنني شخت كثيرا خلال هذه السنوات القليلة، أحيانا لا أستطيع السيطرة على مشاعري بسبب الارهاق...”. اما خطيبته فقد شرعت تبدي في الفترة الأخيرة تذمرا من التغير الذي طرأ على الشاب بدنيا ونفسيا. وعندما ذهب تشانغ ليانغ الى المستشفى لاجراء فحص طبي عادي أخبره الطبيب بما لم يكن يتوقعه.. صحتك شبه سليمة وان لم تتصرف لاصلاح الخلل قد تصاب بمرض قاتل في يوم ما. والسبب هو فرط الارهاق في العمل لفترة طويلة.
وهذا العام أجرى مركز الرعاية الصحية للمستشفى رقم 1 التابع لجامعة الطب الصيني دراسة ميدانية حول الصحة شبه السليمة، أي الارهاق المزمن، شملت عينة من 3206 أفراد، وكانت النتيجة أن صحة 67،3% منهم شبه سليمة، 62% منهم ذكور و38% اناث.
ولاحظت الدراسة أن الفئة العمرية من 25 الى 35 سنة ومن 35 الى 45 سنة هي الأكثر معاناة من الارهاق المفرط.
ويعزو الباحثون ارتفاع نسبة الرجال الذين يعانون من الارهاق المفرط عن النساء الى الثقافة التقليدية التي تؤكد على دور الرجل ومسؤوليته الاجتماعية والأسرية، فالرجل هو الذي يتحمل القسط الأكبر من واجبات الاسرة، . كما أن اختلاف الطبيعة النفسية بين الرجل والمرأة تساهم في فرض ضغوط أكثر على الجنس الخشن، ذلك أن الرجل يلتزم عادة بضبط النفس تجاه أي موقف سار أو ضار، ويفضل الصمت والاعتماد على الذات لحل مشاكله، وهو موقف يختلف تماما عن موقف الجنس اللطيف، فالمرأة تلوذ بسرعة الى الأصدقاء والأهل لتفريغ ما في قلبها من مشاعر حائرة، بل ان بكاء المرأة ينفس عنها المشاعر الحزينة. وجملة القول أن الثقافة التي تراكمت عبر آلاف السنين تجعل عبء الرجل يتزايد أكثر.
مال أكثر أم صحة أفضل؟
يعتقد البروفيسور يانغ تشاو شيوي الذي يعمل في جهاز جيتسي للرعاية الصحية والفحص الطبي، أن الشباب، بوجه عام، يفتقرون الى وعي العناية بالصحة، وكثيرا ما يهملون أحوالهم الصحية. ورغم أن عددا قليلا منهم، وخاصة من ذوي الياقات البيضاء والمتعلمين تعليما راقيا، باتوا على معرفة بهذا الأمر، وأدركوا أهمية حماية صحتهم فانهم قد لا يجدون الوقت الكافي للعناية بصحتهم بسبب كثرة العمل.
وفي بلد يتميز بالعمل والانتاج كالصين فان الارهاق يقتل الشباب في ظاهرة تثير قلق المجتمع، ولهذا قام مركز المسح الاجتماعي التابع لصحيفة شباب الصين بالتعاون مع محطة التلفزيون الصيني المركزية بدراسة ميدانية على عينة من 1218 شخصا في الفترة من الثاني عشر الى الثالث عشر من ابريل/نيسان هذا العام، ووجدت الدراسة أن 34،4% منهم يعملون أقل من ثماني ساعات كل يوم، و65،6% يعملون أكثر من ثماني ساعات يوميا، و20% يعملون أكثر من عشر ساعات يوميا.
وقد حاولت الدراسة الاجابة عن سؤال: لماذا يعملون هذا الوقت الطويل كل يوم؟
وحسب الدراسة فان 82% ممن يفضلون عملا تزيد مدته على خمس عشرة ساعة يوميا قالوا ان دافعهم الوحيد هو الحصول على مال أكثر، وهذا التوجه أشد بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 سنة و40 سنة.
أما 75،1% من الشباب ومتوسطي العمر فقد قالوا انهم يتفهمون جنون العمل عند هؤلاء الشباب، بل ويتفهمون ظاهرة “الموت من فرط الارهاق”.
فقط 18% منهم قالوا “ان خطر تدهور الصحة يمكن تفاديه تماما...”.
ان النتائج التي توصلت اليها الدراسة عبر عنها تشانغ ليانغ باعترافه أنه “لا جدوى في جسم سليم من دون مال”، هي فكرة تسيطر على الكثير من شباب الصين حاليا.
والذين وصلوا الى منتصف العمر، أي في الأربعينات من عمرهم، يشعرون بضغط متزايد أيضا، رغم أنهم نجحوا الى حد كبير في العمل، ولكنهم يواجهون تنافسا شديدا من الشباب الأصغر، ولا سبيل أمامهم للحفاظ على مكانتهم الا بالاستماتة في العمل!
ولكن ما الذي يجعل الشباب يؤمن بفكرة أن “المال أهم من الحياة”؟
لعل أهم الأسباب هو التحول الاجتماعي الحاصل في الصين بكل افرازاته وانعكاساته عليهم. وقد كان هذا هو موضوع دراسة استمرت أربع سنوات نهض بها معهد البحوث النفسية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية وأنجزها في نهاية العام الماضي. هذه الدراسة التي استطلعت آراء نحو عشرة آلاف فرد تناولت الصحة النفسية للعاملين في مختلف الوظائف في مرحلة التحول الاجتماعي والعوامل الاجتماعية الرئيسية التي تؤثر فيهم.
وانتهت الدراسة الى أن الشباب في سن بين العشرين والثلاثين سنة هم أكثر الفئات تحملا للضغوط الاجتماعية، وهي نتيجة يوافق عليها لو شي تشن، نائب مدير المعهد الصيني لسياسات الشباب.
ويقول لو شي تشن ان الشباب هم الأكثر تعرضا للضغوط في فترة التغير الاجتماعي، فمنظومة الضمان الاجتماعي والخدمات الخيرية وسياسات الاسكان والعلاج والرعاية الصحية وغيرها في الصين حاليا تستهدف متوسطي العمر والمسنين أكثر.
أما الشاب الصغير فلا يكاد يلتحق بالعمل حتى يواجه تنافسا ضاريا في موقع عمله، ويكون عليه أن يتعامل مع أموره الخاصة، مثل الزواج والشقة والانجاب ورعاية الطفل وادارة علاقاته الاجتماعية وغيرها من أعباء الحياة، وهو وفي الوقت نفسه يفتقر الى الخبرات الاجتماعية والقدرة على معالجة المشاكل المعقدة، وكل هذه العناصر تزيد الضغط عليه.
ضعف الوعي بأهمية سلامة الصحة
يحدد البروفيسور يانغ تشاو شيوي ثلاثة أسباب لاهمال الصينيين لصحتهم وهي:
أولا، عدم تعميم المعارف بشأن العناية بالصحة في الصين حتى الآن، وقلة عدد أجهزة حماية الصحة المتخصصة والمستشفيات مقارنة مع العدد الهائل للصينيين، كما أن الوظيفة الأساسية للمستشفيات هي العلاج وليس الفحص الدوري. وكثيرون لا يعرفون جيدا طبيعة أجهزة الفحص الصحي، فلا يذهب إليها إلا ذوي الياقات البيضاء والشباب الذي يتابع الجديد في الحياة.
ثانيا، أن كثيرا من الذين بدأوا حياتهم العملية قبل تطبيق سياسة الاصلاح تعودوا على نظام العلاج السابق الذي كانت تتحمل فيه الدولة كل نفقات العلاج بعكس النظام الجديد الذي يتحمل فيه العامل قدرا من نفقة العلاج، وهذا لا يشجعهم على رعاية صحتهم مفضلين انفاق المال على الطعام والشراب أو الملذات الأخرى بدلا من العلاج الطبي. وهؤلاء يعتبرون الفحص الصحي الدوري ليس ضروريا. بل ان الاحصائيات تشير الى أن 40% من الصينيين لا يذهبون مطلقا الى المستشفيات للعلاج لأسباب شتى.
ثالثا، اعتقاد البعض بأنهم طالما في مرحلة الشباب فان المرض بعيد عنهم، وبالتالي لا يبالون بحالتهم الصحية غير مدركين خطورة حالة الصحة شبه السليمة التي يعانون منها منذ مدة طويلة. وحسب دراسة أجريت عام 2004 حول “الخدمات الصحية في الصين” 14،8% فقط من الذين تبلغ أعمارهم 15 سنة أو أكثر يواظبون على التمرينات البدنية في أوقات الفراغ.
اما العامل الآخر وراء زيادة الضغوط التي تؤذي الصحة البدنية للشباب فهو عدم وجود مجال لتنفيس ضغوطهم النفسية، فالصحة النفسية للصينيين أسوأ من صحتهم البدنية وفقا لنتيجة الدراسة الميدانية التي قام بها مركز المسح الاجتماعي لصحيفة شباب الصين في ابريل هذا العام وشملت عينة من 1129 فردا. 43،1% منهم يفضلون سماع الموسيقا لتخفيف ضغوطهم، ويلجأ 40،4% الى الأصدقاء، و27،3% ينفسون عن أنفسهم بتسجيل يومياتهم، ويرى2ر31% منهم أن كبت كآبتهم هو أنسب حل.
وبالنسبة للعلاج النفسي، قال 37،1% منهم فقط انهم يستحسنون هذا النوع من العلاج، وقال 41،1% ان هذا العلاج لا يعنيهم، أو لا يعرفون ان كانت هناك عيادات نفسية متخصصة، وأعرب 24،7% منهم عن الشك في فعالية هذا العلاج، وقال 7،8% منهم انهم يشعرون بالخجل والقلق أمام سخرية البعض اذا عرفوا أنهم ذهبوا الى تلك العيادات.
وجملة القول، أن غموض موقف الصينيين تجاه العلاج النفسي يمنعهم من تلقى العلاج الصحيح في العيادات المتخصصة، وربما هذا سبب ظهور مهنة جديدة يمارسها البعض، وهي أن يجعل الشخص من نفسه هدفا يفرغ فيه الزبون مشاعره المكتومة فينفس ما بداخله!
اجازة اجبارية
الموظفون الحكوميون، شأن ذوي الياقات البيضاء، يعانون من أمراض عديدة ومشاكل صحية. وفي هذا الاطار قام مركز التأمين والعلاج الاجتماعي في مقاطعة خنان بفحص طبي شامل لخمسة عشر ألف موظف عمومي يعملون في الأجهزة الرسمية على مستوى المقاطعة خلال عامي 2003 و،2004 وكانت نتيجة الفحص أن صحة معظمهم غير جيدة؛ 32% منهم يعانون من أمراض العنق والعمود الفقري، و18% مصابون بمرض الكبد الدهني. هذه الظاهرة موجودة في أماكن أخرى، ففي بكين 40% من الموظفين الحكوميين يزيد وزنهم على الوزن القياسي؛ و40% من العاملين في الدوائر الرسمية التابعة لحكومة مقاطعة جيانغسو يعانون من أمراض اكلينيكية مختلفة؛ و70% من الثلاثين ألف موظف حكومي في مدينة ونتشو بمقاطعة تشجيانغ حالتهم الصحية شبه سليمة!
وقد جعلت نتائج هذه الدراسات لي تشنغ يوي، رئيس مقاطعة خنان، يصدر تعليمات بإجبار الموظفين على نطاق المقاطعة على القيام باجازات دورية، وبالفعل أعدت حكومة المقاطعة لائحة رسمية بالاجازة السنوية لجميع الموظفين والعاملين في الدوائر الحكومية في دفعات منتظمة وحسب جداول زمنية محددة ابتداء من عام 2005.
والأكثر أنه من أجل تشجيع الموظفين على الالتزام باللائحة دعت الحكومة القيادات الى أن يكونوا قدوة للآخرين في الاستمتاع بالاجازة.
وفي مدينة سوتشو بمقاطعة جيانغسو وضعت حكومة المدينة اجراءات شبه اجبارية لتنفيذ نظام الاجازة السنوية، حيث لا يقل راتب الموظف وكل امتيازاته في فترة الاجازة، الأكثر أن الحكومة تمنح الموظف علاوة خاصة حسب الأيام التي يقضيها في اجازة، ويحرم من هذه العلاوة الذي لا يقوم بالاجازة، ويفقد فرصة المشاركة في التنافس لنيل لقب الكادر النموذجي مع الجائزة الخاصة به. وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الحكومات الصينية المحلية التي تم فيها ادخال شرط قضاء الاجازة السنوية في تقييم أداء الموظف الحكومي.
والمثير، وفقا للدراسة، أن 20% فقط من الذين يستحقون قضاء الاجازة الدورية على نفقة الدولة، استخدموا هذا الحق، ففي مدينة شانغهاي 6،9% من العاملين في قطاع الاعلام قضوا اجازتهم السنوية بكامل أيامها المحددة، و21،2% منهم قضوا جزءا من الاجازة، و64% منهم لم يقضوا الاجازة مطلقا.
وقد عارض البعض اجراءات اجبار الموظفين العموميين على قضاء الاجازة الدورية، غير أنها تعكس رغبة وعزم الحكومة على رفع المستوى الصحي للعاملين بها.
الإرهاق الشديد نتيجة العمل يقتل الشباب
في العاشر من ابريل/نيسان رحل الفنان الصيني تشن يي في عن عمر يناهز التاسعة والخمسين.
وقد اعاد الموت المفاجئ للشخصيات الاجتماعية في الصين من جديد قلق الصينيين تجاه ظاهرة الموت من فرط الارهاق.
وتقول مجلة “الصين اليوم” في تحقيق عن الارهاق الذي يتعرض له الشباب الصيني في اطار السعي لتأمين مستقبل مالي أفضل انه قبل رحيل هذا الفنان الرسام، الذي يمارس التجارة بنجاح كبير أيضا، فارق الحياة أستاذان نابغان بجامعة تشينغهوا، هما جياو ليان وي (36 سنة) وقاو ون هوان (46 سنة).
في أكتوبر/تشرين اول الماضي توفي وانغ جيون ياو (38 سنة)، رئيس مجلس ادارة مجموعة جيونياو.
وسبب موت هؤلاء، وفق رأي الأطباء، هو الارهاق الشديد نتيجة العمل، وهو ما أضر بأعضاء الجسم الى حد خطير، وعندما نُقلوا الى المستشفيات كان الأوان قد فات.
وقد كثر في الآونة الأخيرة الحديث حول صحة الانسان والارهاق المزمن، حيث تشير نتائج عدد من الدراسات الميدانية الى أن معظم الشباب ومتوسطي العمر لا يولون الاهتمام اللازم بصحتهم رغم وصولهم الى حالة لا تبعث على التفاؤل.
الشباب يواجهون ضغطا أكبر
تشانغ ليانغ البالغ من العمر ثلاثين عاما، شاب نشيط يعمل مديرا في أحد فروع شركة لشبكات الانترنت. وقد اختار أن يواصل العمل بشركته خلال الأيام السبعة لعطلة عيد العمال لأن الشركة وعدت بمنح راتب يعادل ثلاثة أضعاف الراتب العادي لمن يعمل في العطلة. وقد قرر تشانغ أن يتنازل عن فرصة السفر في رحلة مع خطيبته ولم يتردد في قبول عرض الشركة لأنه يحتاج الى مزيد من المال لسد نفقاته الكثيرة، فقد اشترى مؤخرا شقة كبيرة بالتقسيط استعدادا للزواج، وكان يعتزم شراء سيارة خاصة وان راتبه الشهري (وهو سبعة آلاف يوان، أي نحو ثمانمائة وخمسين دولارا أمريكيا) لا يكفيه، ومن أجل توفير حياة أفضل كان عليه أن يكسب المزيد، وهذا ما كان يجعله يشعر دائما بضغط، ويضطره للقيام بأعمال اضافية سواء في الشركة أو خارجها ان أمكن.
وتشانغ ليانغ نموذج للشباب من جيله الذي يقف على أعتاب مرحلة الزواج ويجتاز فترة صعبة لتأسيس قاعدة اقتصادية قوية تكفي لسد مختلف النفقات، من حفل الزفاف وحجز شقة جديدة وتأثيثها الى شراء السيارة وانجاب الطفل وتربيته بعد ذلك، وكل هذا في حاجة الى فلوس.
هؤلاء الشباب قاعدتهم المادية ليست قوية، ورأس مالهم هو قوتهم البدنية ولهذا يجبرون أنفسهم على العمل أكثر من أجل دخل أعلى.
وتفيد نتيجة دراسة ميدانية قام بها مركز المسح الاجتماعي بصحيفة شباب الصين ونشرتها الصحيفة، أن 66،5% من شباب هذا البلد يشعرون بضغوط كبيرة في حياتهم، و3،7% منهم يشعرون بضغوط خفيفة، وفقط 0،3% منهم لا يشعرون بأي ضغط!
ويعبر عن هذه المأساة تشانغ ليانغ بقوله “لاحظت أنني شخت كثيرا خلال هذه السنوات القليلة، أحيانا لا أستطيع السيطرة على مشاعري بسبب الارهاق...”. اما خطيبته فقد شرعت تبدي في الفترة الأخيرة تذمرا من التغير الذي طرأ على الشاب بدنيا ونفسيا. وعندما ذهب تشانغ ليانغ الى المستشفى لاجراء فحص طبي عادي أخبره الطبيب بما لم يكن يتوقعه.. صحتك شبه سليمة وان لم تتصرف لاصلاح الخلل قد تصاب بمرض قاتل في يوم ما. والسبب هو فرط الارهاق في العمل لفترة طويلة.
وهذا العام أجرى مركز الرعاية الصحية للمستشفى رقم 1 التابع لجامعة الطب الصيني دراسة ميدانية حول الصحة شبه السليمة، أي الارهاق المزمن، شملت عينة من 3206 أفراد، وكانت النتيجة أن صحة 67،3% منهم شبه سليمة، 62% منهم ذكور و38% اناث.
ولاحظت الدراسة أن الفئة العمرية من 25 الى 35 سنة ومن 35 الى 45 سنة هي الأكثر معاناة من الارهاق المفرط.
ويعزو الباحثون ارتفاع نسبة الرجال الذين يعانون من الارهاق المفرط عن النساء الى الثقافة التقليدية التي تؤكد على دور الرجل ومسؤوليته الاجتماعية والأسرية، فالرجل هو الذي يتحمل القسط الأكبر من واجبات الاسرة، . كما أن اختلاف الطبيعة النفسية بين الرجل والمرأة تساهم في فرض ضغوط أكثر على الجنس الخشن، ذلك أن الرجل يلتزم عادة بضبط النفس تجاه أي موقف سار أو ضار، ويفضل الصمت والاعتماد على الذات لحل مشاكله، وهو موقف يختلف تماما عن موقف الجنس اللطيف، فالمرأة تلوذ بسرعة الى الأصدقاء والأهل لتفريغ ما في قلبها من مشاعر حائرة، بل ان بكاء المرأة ينفس عنها المشاعر الحزينة. وجملة القول أن الثقافة التي تراكمت عبر آلاف السنين تجعل عبء الرجل يتزايد أكثر.
مال أكثر أم صحة أفضل؟
يعتقد البروفيسور يانغ تشاو شيوي الذي يعمل في جهاز جيتسي للرعاية الصحية والفحص الطبي، أن الشباب، بوجه عام، يفتقرون الى وعي العناية بالصحة، وكثيرا ما يهملون أحوالهم الصحية. ورغم أن عددا قليلا منهم، وخاصة من ذوي الياقات البيضاء والمتعلمين تعليما راقيا، باتوا على معرفة بهذا الأمر، وأدركوا أهمية حماية صحتهم فانهم قد لا يجدون الوقت الكافي للعناية بصحتهم بسبب كثرة العمل.
وفي بلد يتميز بالعمل والانتاج كالصين فان الارهاق يقتل الشباب في ظاهرة تثير قلق المجتمع، ولهذا قام مركز المسح الاجتماعي التابع لصحيفة شباب الصين بالتعاون مع محطة التلفزيون الصيني المركزية بدراسة ميدانية على عينة من 1218 شخصا في الفترة من الثاني عشر الى الثالث عشر من ابريل/نيسان هذا العام، ووجدت الدراسة أن 34،4% منهم يعملون أقل من ثماني ساعات كل يوم، و65،6% يعملون أكثر من ثماني ساعات يوميا، و20% يعملون أكثر من عشر ساعات يوميا.
وقد حاولت الدراسة الاجابة عن سؤال: لماذا يعملون هذا الوقت الطويل كل يوم؟
وحسب الدراسة فان 82% ممن يفضلون عملا تزيد مدته على خمس عشرة ساعة يوميا قالوا ان دافعهم الوحيد هو الحصول على مال أكثر، وهذا التوجه أشد بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 سنة و40 سنة.
أما 75،1% من الشباب ومتوسطي العمر فقد قالوا انهم يتفهمون جنون العمل عند هؤلاء الشباب، بل ويتفهمون ظاهرة “الموت من فرط الارهاق”.
فقط 18% منهم قالوا “ان خطر تدهور الصحة يمكن تفاديه تماما...”.
ان النتائج التي توصلت اليها الدراسة عبر عنها تشانغ ليانغ باعترافه أنه “لا جدوى في جسم سليم من دون مال”، هي فكرة تسيطر على الكثير من شباب الصين حاليا.
والذين وصلوا الى منتصف العمر، أي في الأربعينات من عمرهم، يشعرون بضغط متزايد أيضا، رغم أنهم نجحوا الى حد كبير في العمل، ولكنهم يواجهون تنافسا شديدا من الشباب الأصغر، ولا سبيل أمامهم للحفاظ على مكانتهم الا بالاستماتة في العمل!
ولكن ما الذي يجعل الشباب يؤمن بفكرة أن “المال أهم من الحياة”؟
لعل أهم الأسباب هو التحول الاجتماعي الحاصل في الصين بكل افرازاته وانعكاساته عليهم. وقد كان هذا هو موضوع دراسة استمرت أربع سنوات نهض بها معهد البحوث النفسية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية وأنجزها في نهاية العام الماضي. هذه الدراسة التي استطلعت آراء نحو عشرة آلاف فرد تناولت الصحة النفسية للعاملين في مختلف الوظائف في مرحلة التحول الاجتماعي والعوامل الاجتماعية الرئيسية التي تؤثر فيهم.
وانتهت الدراسة الى أن الشباب في سن بين العشرين والثلاثين سنة هم أكثر الفئات تحملا للضغوط الاجتماعية، وهي نتيجة يوافق عليها لو شي تشن، نائب مدير المعهد الصيني لسياسات الشباب.
ويقول لو شي تشن ان الشباب هم الأكثر تعرضا للضغوط في فترة التغير الاجتماعي، فمنظومة الضمان الاجتماعي والخدمات الخيرية وسياسات الاسكان والعلاج والرعاية الصحية وغيرها في الصين حاليا تستهدف متوسطي العمر والمسنين أكثر.
أما الشاب الصغير فلا يكاد يلتحق بالعمل حتى يواجه تنافسا ضاريا في موقع عمله، ويكون عليه أن يتعامل مع أموره الخاصة، مثل الزواج والشقة والانجاب ورعاية الطفل وادارة علاقاته الاجتماعية وغيرها من أعباء الحياة، وهو وفي الوقت نفسه يفتقر الى الخبرات الاجتماعية والقدرة على معالجة المشاكل المعقدة، وكل هذه العناصر تزيد الضغط عليه.
ضعف الوعي بأهمية سلامة الصحة
يحدد البروفيسور يانغ تشاو شيوي ثلاثة أسباب لاهمال الصينيين لصحتهم وهي:
أولا، عدم تعميم المعارف بشأن العناية بالصحة في الصين حتى الآن، وقلة عدد أجهزة حماية الصحة المتخصصة والمستشفيات مقارنة مع العدد الهائل للصينيين، كما أن الوظيفة الأساسية للمستشفيات هي العلاج وليس الفحص الدوري. وكثيرون لا يعرفون جيدا طبيعة أجهزة الفحص الصحي، فلا يذهب إليها إلا ذوي الياقات البيضاء والشباب الذي يتابع الجديد في الحياة.
ثانيا، أن كثيرا من الذين بدأوا حياتهم العملية قبل تطبيق سياسة الاصلاح تعودوا على نظام العلاج السابق الذي كانت تتحمل فيه الدولة كل نفقات العلاج بعكس النظام الجديد الذي يتحمل فيه العامل قدرا من نفقة العلاج، وهذا لا يشجعهم على رعاية صحتهم مفضلين انفاق المال على الطعام والشراب أو الملذات الأخرى بدلا من العلاج الطبي. وهؤلاء يعتبرون الفحص الصحي الدوري ليس ضروريا. بل ان الاحصائيات تشير الى أن 40% من الصينيين لا يذهبون مطلقا الى المستشفيات للعلاج لأسباب شتى.
ثالثا، اعتقاد البعض بأنهم طالما في مرحلة الشباب فان المرض بعيد عنهم، وبالتالي لا يبالون بحالتهم الصحية غير مدركين خطورة حالة الصحة شبه السليمة التي يعانون منها منذ مدة طويلة. وحسب دراسة أجريت عام 2004 حول “الخدمات الصحية في الصين” 14،8% فقط من الذين تبلغ أعمارهم 15 سنة أو أكثر يواظبون على التمرينات البدنية في أوقات الفراغ.
اما العامل الآخر وراء زيادة الضغوط التي تؤذي الصحة البدنية للشباب فهو عدم وجود مجال لتنفيس ضغوطهم النفسية، فالصحة النفسية للصينيين أسوأ من صحتهم البدنية وفقا لنتيجة الدراسة الميدانية التي قام بها مركز المسح الاجتماعي لصحيفة شباب الصين في ابريل هذا العام وشملت عينة من 1129 فردا. 43،1% منهم يفضلون سماع الموسيقا لتخفيف ضغوطهم، ويلجأ 40،4% الى الأصدقاء، و27،3% ينفسون عن أنفسهم بتسجيل يومياتهم، ويرى2ر31% منهم أن كبت كآبتهم هو أنسب حل.
وبالنسبة للعلاج النفسي، قال 37،1% منهم فقط انهم يستحسنون هذا النوع من العلاج، وقال 41،1% ان هذا العلاج لا يعنيهم، أو لا يعرفون ان كانت هناك عيادات نفسية متخصصة، وأعرب 24،7% منهم عن الشك في فعالية هذا العلاج، وقال 7،8% منهم انهم يشعرون بالخجل والقلق أمام سخرية البعض اذا عرفوا أنهم ذهبوا الى تلك العيادات.
وجملة القول، أن غموض موقف الصينيين تجاه العلاج النفسي يمنعهم من تلقى العلاج الصحيح في العيادات المتخصصة، وربما هذا سبب ظهور مهنة جديدة يمارسها البعض، وهي أن يجعل الشخص من نفسه هدفا يفرغ فيه الزبون مشاعره المكتومة فينفس ما بداخله!
اجازة اجبارية
الموظفون الحكوميون، شأن ذوي الياقات البيضاء، يعانون من أمراض عديدة ومشاكل صحية. وفي هذا الاطار قام مركز التأمين والعلاج الاجتماعي في مقاطعة خنان بفحص طبي شامل لخمسة عشر ألف موظف عمومي يعملون في الأجهزة الرسمية على مستوى المقاطعة خلال عامي 2003 و،2004 وكانت نتيجة الفحص أن صحة معظمهم غير جيدة؛ 32% منهم يعانون من أمراض العنق والعمود الفقري، و18% مصابون بمرض الكبد الدهني. هذه الظاهرة موجودة في أماكن أخرى، ففي بكين 40% من الموظفين الحكوميين يزيد وزنهم على الوزن القياسي؛ و40% من العاملين في الدوائر الرسمية التابعة لحكومة مقاطعة جيانغسو يعانون من أمراض اكلينيكية مختلفة؛ و70% من الثلاثين ألف موظف حكومي في مدينة ونتشو بمقاطعة تشجيانغ حالتهم الصحية شبه سليمة!
وقد جعلت نتائج هذه الدراسات لي تشنغ يوي، رئيس مقاطعة خنان، يصدر تعليمات بإجبار الموظفين على نطاق المقاطعة على القيام باجازات دورية، وبالفعل أعدت حكومة المقاطعة لائحة رسمية بالاجازة السنوية لجميع الموظفين والعاملين في الدوائر الحكومية في دفعات منتظمة وحسب جداول زمنية محددة ابتداء من عام 2005.
والأكثر أنه من أجل تشجيع الموظفين على الالتزام باللائحة دعت الحكومة القيادات الى أن يكونوا قدوة للآخرين في الاستمتاع بالاجازة.
وفي مدينة سوتشو بمقاطعة جيانغسو وضعت حكومة المدينة اجراءات شبه اجبارية لتنفيذ نظام الاجازة السنوية، حيث لا يقل راتب الموظف وكل امتيازاته في فترة الاجازة، الأكثر أن الحكومة تمنح الموظف علاوة خاصة حسب الأيام التي يقضيها في اجازة، ويحرم من هذه العلاوة الذي لا يقوم بالاجازة، ويفقد فرصة المشاركة في التنافس لنيل لقب الكادر النموذجي مع الجائزة الخاصة به. وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الحكومات الصينية المحلية التي تم فيها ادخال شرط قضاء الاجازة السنوية في تقييم أداء الموظف الحكومي.
والمثير، وفقا للدراسة، أن 20% فقط من الذين يستحقون قضاء الاجازة الدورية على نفقة الدولة، استخدموا هذا الحق، ففي مدينة شانغهاي 6،9% من العاملين في قطاع الاعلام قضوا اجازتهم السنوية بكامل أيامها المحددة، و21،2% منهم قضوا جزءا من الاجازة، و64% منهم لم يقضوا الاجازة مطلقا.
وقد عارض البعض اجراءات اجبار الموظفين العموميين على قضاء الاجازة الدورية، غير أنها تعكس رغبة وعزم الحكومة على رفع المستوى الصحي للعاملين بها.